صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
322
حركة الإصلاح الشيعي
كانت أعمال محسن الأمين لا تندرج في آفاق خصومه السياسية بهذا القدر ، بل في دعوة إصلاحية دينية لا تقبل المساومة . ولم يكن يهدف إلى إظهار الخصوصية الشيعية ، بل إلى الشهادة على عزة الشيعة وإجلال شعائرهم . وكان ، على عكس رجال الدين الآخرين ، لا يسعى إلى ترويج التشيّع وإظهاره ، لأنه كان يقيم في دمشق حيث كان الشيعة لا يمثلون سوى أقلية ضئيلة ظلت تمارس التقية طوال عدة قرون . لقد كان كل طرف في هذه المناظرة مدفوعا بحوافز خاصة به للدفاع عن شعائر عاشوراء ؛ كذلك كانت مواقف كل طرف خاضعة في أساسها لأنواع من المنطق سياقية ؛ فقد اعتمد البعض موقفا يناسب تطور الأوضاع وموازين القوى المحلية . لذلك فإنه من العبث ، في هذه الظروف ، أن نحاول إقامة تصنيف انطلاقا من المواقف المتخذة من شعائر عاشوراء ؛ فليس بالإمكان تصنيف « دعاة الإصلاح » في جهة و « التقليديين » في جهة أخرى ؛ أو أن نواجه بين « المحافظين » و « التقدميين » . فقد كان محمد حسين آل كاشف الغطاء ومحمد حسين النائيني ينظر إليهما فيعدّ الأوّل من دعاة الإصلاح والثاني من التقدميين ( وذلك من قبل معاصريهم ومن الباحثين اليوم على حد سواء ) ، وقد قالا بتحليل الشعائر التي حرمها محسن الأمين . أما عبد الكريم الجزائري ، وكان يساند محسن الأمين ، فإنه يعدّ من رجال الدين التقليديين ، ولا سيما من قبل جعفر الخليلي . أما إهمال محسن الأمين لكل حساب محلي أو لكل خطة محلية فقد كان ناتجا على الأغلب من موقعه في دمشق الخارج عن المركز ، ولذلك فإنه تابع ما كان يراه من أولوياته ، ألا وهو إخضاع الشعائر الشيعية للعقل وتنظيمها . وعلى كل حال ، فإن المناظرة التي أطلقها محسن الأمين حول شرعية جزء من شعائر عاشوراء ، تضع التأمل فيها باتجاه آخر . فقد أشرنا في عرضنا لمواقف مختلف الأطراف المتنازعة ، إلى مسألة الوضوح في الفتاوى التي أصدرها المجتهدون ؛ وكانت فتوى محمد حسين آل كاشف الغطاء مثالا ساطعا على ذلك . وعليه فإن بعض الفتاوى كانت « تفسر » ساعة إصدارها من قبل الناس العاديين أو بعد ذلك من قبل رجال الدين بعد أن يرجعوا إلى نصها المكتوب . مما كان يثير التساؤل حول طبيعة الصلة بين المجتهدين وعامة المؤمنين وحول قابلية تلقي الحجج التي يعطيها رجال الدين حينما يعتمدون على فتاوى سابقيهم . مما يعني إعادة النظر في مجمل ممارسات الاجتهاد « 244 » . ويظهر من متابعة هذه المناظرات ، أن الفتوى الواحدة قد يستشهد بها رجل دين على أنها تثبت تحليل الشعائر ، وآخر على أنها تثبت العكس . هنا لا بد من التذكير بأنه في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين ، لم تكن معظم الفتاوى مطبوعة منشورة على صعيد واسع ، مما يعني أن الرجوع كان يتم إلى نسخ مخطوطة منها عند فلان أو فلان من رجال الدين . وكانت الصعوبة في الوصول إلى
--> ( 244 ) . هذه الملاحظات القليلة لا تزيد عن طرح الأسئلة وفتح سبيل التأمل . وتستدعي تطورات لاحقة ومناقشات في ضوء بعض الأبحاث التي أقيمت على مجتهدين آخرين .